صديق الحسيني القنوجي البخاري
497
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل : المراد بالآية آثار المشائين إلى المساجد ، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين ، قال النحاس : وهو أولى ما قيل في الآية لأنها نزلت في ذلك ، ويجاب عنه بأن الاعتبار بعموم الآية لا بخصوص سببها ، وعمومها يقتضي كتب جميع آثار الخير والشر ، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره ، فلهذا قدم الإحياء . وقرىء : نكتب على البناء للفاعل وللمفعول . عن أبي سعيد الخدري قال : « كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل اللّه : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فدعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « إنه يكتب آثارهم ثم قرأ عليهم الآية فتركوا » « 1 » أخرجه الترمذي وحسنه ، والبزار والحاكم وصححه ، وغيرهم . وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر قال : « إن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم ويتحولوا قريبا من المسجد فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم » « 2 » . وَكُلَّ شَيْءٍ من أعمال العباد وغيرها كائنا ما كان ، وقرأ الجمهور بنصب كُلَّ على الاشتغال ، وقرىء بالرفع على الابتداء أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ أي كتاب مقتدى به مُبِينٍ موضح لكل شيء ، قال مجاهد وقتادة وابن زيد : أراد اللوح المحفوظ ، وقالت فرقة : أراد صحائف الأعمال . وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ قد تقدم الكلام على نظير هذا في البقرة والنمل ، والمعنى اضرب لأجلهم مثلا أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلا ، أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية ؛ فعلى الأول : لما قال تعالى : إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [ البقرة : 252 ] وقال : لِتُنْذِرَ قَوْماً [ القصص : 46 ] قال قل لهم : ما أنا بدعا من الرسل ، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية المرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار المقامة ، وعلى الثاني لما قال : إن الإنذار لا ينفع من أضله اللّه : وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : اضرب لنفسك ولقومك مثلا ، أي مثل لهم عند نفسك مثلا بأصحاب القرية ، حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على الإيذاء وأنت جئت إليهم واحدا ، وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاؤوا إلى أهل قرية وأنت بعثتك إلى الناس كافة :
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 36 ، باب 1 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 23 ، وفضائل المدينة باب 11 ، ومسلم في المساجد حديث 280 ، وابن ماجة في المساجد باب 15 ، وأحمد في المسند 3 / 333 ، 371 ، 390 .